المقارنة الجائرة بين الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان (لعنه الله): دراسة تاريخية
مؤسَّسةٌ بَقِيَّةُ ٱللَّهِ {عَجَّ} – هولندا
سبتمبر 2025
المقدمة
الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) – ابن عمّ رسول الله وصهره، والمُعَدّ في العقيدة الشيعية الخليفةَ الشرعيَّ المعصومَ للنبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) – يحتلّ مكانةً مركزية في كلٍّ من التراثين الشيعي والسنّي، ويُعَدّ من أعظم معاجز الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) .أما معاوية بن أبي سفيان فكان مشركًا معروفًا ولم يُسلم قط حقيقة. أعلن إسلامه – هو وعشيرته الأموية – نفاقًا بهدف تقويض الإسلام من الداخل. عيّنه عمر بن الخطاب واليًا على الشام، ثم بعد إشعال حرب أهلية دامية بذريعة الثأر لعثمان بن عفان، أسس الدولة الأموية. في التأريخ الشيعي يُنظر إلى صعود معاوية على أنه هزيمة للعدالة، ويتم التأكيد على أن الإمام علي (ع) – على الرغم من قربه من النبي (ص) – قد تم تهميشه واضطهاده بطرق متعددة. هناك عبارة شائعة تعبّر عن هذا الشعور تقول: «أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية»، أي «لقد أهانني الزمن حتى صار الناس يتحدثون عن علي ومعاوية». هدف هذا المقال هو وضع هذه العبارة في سياقها، ثم تناول القصص المثيرة للجدل حول أصل معاوية (لع) وأمه هند بنت عتبة (لع)، مع الاستناد إلى مصادر شيعية وسنية.
قول الإمام علي (ع) بشأن المقارنة مع معاوية
النص والمعنى
إن العبارة الدقيقة « أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية » لا ترد حرفيًا في المصادر الشيعية والسنية الكلاسيكية. يشير موقع «المجيب» المتخصص في الإجابة عن أسئلة الحديث إلى أن هذه الصياغة غير موجودة في أي مصدر أولي، وربما تكون اقتباسًا أو خطأ [1]. غير أن المصادر الشيعية تورد مقاطع ذات معنى مشابه. ففي نهج البلاغة – مجموعة خطب ورسائل الإمام علي – يصف الإمام علي (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية كيف أُعطي الحكم لغيره بعد وفاة النبي (ص) وكيف مُنح هو المرتبة الثالثة. ويقول إن الزمان أنزله ووضعه في موضع المقارنة مع من هم دونه حتى آلت السلطة في نهاية المطاف إلى معاوية [2].
رواية ابن أبي الحديد
ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 1258م) في شرحه لـنهج البلاغة قولًا يعبر عن روح هذه الدعوى؛ إذ يُروى أن الإمام علي (ع) قال إنه في أيام النبي (ص) كان يُعتبر «كجزء من الرسول»، وكان يُنظر إليه «كما ينظر إلى النجوم في السماء». بعد وفاة النبي (ص) خفضه الزمان، فصار يُقارن بـ«فلان وفلان»، ثم بخمسة آخرين كان أفضلهم عثمان، وفي النهاية جعله الزمان «ندًّا لابن هند وابن النابغة» [3]. يشير «ابن هند» إلى معاوية، بينما «ابن النابغة» هو عمرو بن العاص. ويُختتم القول بعبارة «لقد استنت الفِصَال حتى القرعاء» – وهو مثل عربي يضرب لمن لا يعرف قدر نفسه، كما يوضح ابن منظور [4].
دلالة المقولة في التراث الشيعي
في التراث الشيعي ترمز هذه العبارة إلى اضطهاد الإمام علي (ع). فالرجل الذي عيّنه النبي (ص) أخًا وخليفة جُعل واحدًا من المرشحين في الشورى لاختيار خليفة جديد، ثم وُصف بأنه معارض لوالي الأمويين، وأخيرًا وُضع على قدم المساواة مع رجال لا يمتلكون أي فضيلة إسلامية. لذلك يُعد استعمال عبارة «علي ومعاوية» إهانة، لأن مكانة الاثنين غير قابلة للمقارنة.
جدل حول أم معاوية: هند بنت عتبة
هند في المصادر التاريخية
هند بنت عتبة بن ربيعة (لع) كانت بَغِيًّا من العشيرة الأموية الوضيعة، والتي لم تكن ذات جذور عربية صافية، بل تعود أصولها إلى أصلٍ حبشيّ. خلال الصراع بين مكة والإسلام الناشئ كانت عدوة شرسة للنبي (ص). في معركة أُحد حرّضت المقاتلين المشركين على محاربة جيش الإسلام. وأعطت عبدها الأسود وحشي (لع) الأمر بأن يقتل – انتقامًا لمقتل أبيها وأخيها وعمها في بدر – النبي (ص) نفسه أو الإمام علي (ع) أو حمزة (ع). نجح وحشي من مسافة بعيدة، بشكل جبان، في قتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب (ع) برمح. ثم عضت هند (لع) كبد سيدنا حمزة (ع) وحاولت أن تأكل منها – وهي فعل جعلها مشهورة بالسوء. قُتل حمزة (ع)، «أسد الله ورسوله»، بهذه الطريقة المأساوية. عند فتح مكة سنة 630م (8 هـ) أعلنت هي وكل عشيرتها الأموية إسلامهم فجأة – ليس عن إيمان صادق بل خوفًا ونفاقًا، لحماية مناصبهم وأرواحهم بعد أن اضطهدوا وقتلوا كثيرًا من المسلمين. عندما خاطب النبي (ص) النساء أثناء هذا الحدث بقوله: «ألا يزنين»، ردت هند – الشهيرة ببغائها – في الرواية بسخرية: «وهل تزني الحرة؟».
القول بأن هند كانت «امرأة ذات راية»
تذكر الكتابات الجدلية الشيعية أن هند كانت تدير بيت دعارة خلال الجاهلية (عهد «الجهل» قبل الإسلام). في كتاب مثالب العرب – ويُعرف أيضًا بـمثالب الأنساب أو كتاب المثالب – للمؤرخ النسّابة السني الكبير الموثوق هشام بن محمد الكلبي (ت 204 هـ) ترد قوائم بمن يسمين «ذوات الرايات»: نساء يحملن الرايات الحمراء في السوق ويستقبلن الرجال علنًا. في الفصل المعنون «باب تسمية ذوات الرايات وأمهاتهن ومن ولدن» يذكر المؤلف العديد من صاحبات المواخير [5]. يشير الموقع الشيعي «القطرة» إلى هذا الفصل ويقول إن هند كانت من هذه النساء؛ ووفقًا لمقطع من الكتاب «كانت هند من المغتلمات (النساء اللواتي يخفين أنفسهن بالأستار)، وكانت تحب الرجال السود؛ وإذا ولدت طفلاً ذا بشرة سوداء كانت تقتله» [6]. تُعد هذه القصة من الأدلة التي تُستعمل للتشكيك في عفتها.
الجدل حول والد معاوية
في السجالات الشيعية كثيرًا ما يُقال إن والد معاوية البيولوجي غير معروف. يذكر النَسّابة السُّنّي هشام الكلبي – بحسب عدة اقتباسات من مثالب العرب – أن معاوية نُسب إلى أربعة رجال مختلفين. في مقال لـ «مؤسَّسة علوم نهج البلاغة» يُنقل حديث عن هشام يقول فيه: «قال الكلبي: نُسب معاوية إلى أربعة رجال: عمارة بن الوليد، مسافر بن أبي عمر، أبو سفيان ورجل آخر يسميه» [7]. ويضيف المقال أن النسّابة قال أيضًا إن جدة معاوية حمامة (أو حَمامة) كانت بَغِيًّا، وأنها «كانت لها راية حمراء» [8].
تذهب نصوص شيعية أخرى أبعد من ذلك. في مقال «من هو الدعي ابن الدعي؟» على موقع «كتابات إنفو» يُنقل عن الكلبي قوله إن معاوية «من أربعة رجال: عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، مسافر بن عمرو، أبو سفيان ورجل آخر»، وأن أمه هند «من المغتلمات» (وهو تعبير يكنى به عن البغايا) [9]. كما يذكر أن حمامة، إحدى جداته، «كانت لها راية في ذو المجاز وكانت تغني مع النساء ذوات الرايات» [10]. وتروي إحدى القصص في التاريخ الشيعي أن عقيل بن أبي طالب – أخ الإمام علي (عليه السلام) المعروف بعلمه بالأنساب – سأله معاوية ذات مرة: «من حمامة؟»، فأجابه بأنها «جدته، امرأة بغي لها راية». وقد استخدم هشام الكلبي ومؤرخون كلاسيكيون آخرون مثل هذه الروايات لكشف حقيقة الأمويين.
الإطار التاريخي لكتاب مثالب العرب
هشام الكلبي ومنهجه
كان هشام بن محمد الكلبي (110–204 هـ) مؤرخًا ونسّابًا وراوية عراقيًا. اشتهر هو ووالده بمعرفتهما الواسعة بأنساب العرب، وتضمنت أعمالهما روايات نقدية وأحيانًا ساخرة عن الأسر البارزة. كتابه مثالب العرب («خزي العرب») لا يقتصر على سرد الأنساب، بل يصف أيضًا الفضائح والزنا وغيرها من الصفات السلبية لدى مختلف القبائل.
يستشهد علماء وباحثون بارزون على نطاق واسع بـمثالب العرب ويذكرون فيه عددًا لا يحصى من النساء ذوات الرايات الحمراء. ومن الواضح أن هذا الكتاب مصدر أنساب محايد يصف الوقائع المثيرة للجدل.
خاتمة
إن القصص المتعلقة بهند بنت عتبة ووالد معاوية مأخوذة من مصادر كلاسيكية موثوقة مثل مثالب العرب لهشام الكلبي وغيرها من المصادر القديمة. تفيد هذه المصادر أن هند كانت من ذوات الرايات (البغايا)، وأنها حملت من عدة رجال، وأن معاوية نُسب إلى أربعة آباء مختلفين [11].
المصادر والمراجع
المجیب – السلام عليكم ما صحة حديث الإمام علي انزلني الدهر وانزلني حتى قيل علي ومعاوية.
علي (عليه السلام) كوكب في أفق السماء | مؤسسة علوم نهج البلاغة.
مثالب العرب .. باب تسمية ذوات الرايات وأمهاتهن ومن ولدن | ثرثرة عاقلة عن عالم مجنون ..
من هن ذوات الرايات وهل من بينهن والدة أبي بكر ووالدة عمرو بن العاص ووالدة معاوية؟
كتابات في الميزان / من هو الدعي ابن الدعي؟ دراسة وتحليل.