دراسة تحليلية قانونية ودينية حول رمزية التمثال وموقف الأغلبية الشيعية في العراق
Klik om de tekstversie te lezen
كسر الصنم: الدعوة الحضارية لإزالة تمثال الدوانيقي من قلب بغداد
دراسة تحليلية قانونية ودينية حول رمزية التمثال وموقف الأغلبية الشيعية في العراق
مؤسَّسةٌ بَقِيَّةُ ٱللَّهِ {عَجَّ} – هولندا
نوفمبر ٢٠٢٥

تمثال رأس الدوانيقي
تمثال رأس الدوانيقي أثناء محاولة رفعه بعد تفجيره عام 2005؛ أعيد لاحقًا نصب هذا الرأس البرونزي في منطقة المنصور (الدوانيقي!) ببغداد عام 2008.
أثار هذا التمثال منذ ذلك الحين جدلًا واسعًا بين العراقيين، حيث تصاعدت الأصوات الشيعية المطالبة بإزالته بوصفه “صنمًا” لطاغية عباسي سفّاك اضطهد أهل البيت (ع) وقتل الإمام جعفر الصادق (ع). ويعتبر المحتجّون وجود هذا التمثال في قلب بغداد الجوادين (ع) إهانةً لمشاعر الأغلبية الشيعية في العراق التي لا تزال تنزف من جراح تاريخية تسبب بها ذلك الطاغية. في المقابل، يرى آخرون من البعثيين وأشباههم أن الدوانيقي هو مؤسس بغداد ويعدّونه جزءًا من التراث! مستندين إلى دوره التاريخي في بناء المدينة. ورغم ذلك فإن الأدلّة التاريخية تكشف وجهًا مظلمًا لشخصية الدوانيقي، تجعل من تمجيده عارًا وطنيًا ودينيًا لا يمكن تبريره. فيما يلي دراسة شاملة تسلّط الضوء على مساوئ هذا الطاغية وجرائمه بحق آل الرسول (ص)، وتبيّن مبررات إزالة تمثاله قانونيًا وعقلانيًا، مع اقتراح خطوات عملية لتحقيق ذلك بصورة حضارية وقانونية، استجابةً لمطلب شعبي متنامٍ في العراق.
جرائم الدوانيقي بحق أهل البيت (ع) عبر التاريخ
ولد الطاغية العباسي الدوانيقي عام 709م (95هـ)، وتولّى الحكم سنة 754م (136هـ) ثانيًا للطغاة العباسيين. عُرف بلقب “الدوانيقي” إشارةً إلى بخله الشديد وتدقيقه في جمع الأموال . لكن الأهم هو سجله الدموي ضد العلويين (أحفاد الإمام علي عليه السلام). فبعد أن وطّد أركان دولته بالقوة والبطش، انقلب على حلفائه من آل البيت الذين ساعدوا العباسيين ضد الأمويين. تشير المصادر إلى أنه أول من أشعل الفتنة بين العباسيين والعلويين، فأمر باعتقال الكثير من السادة الحسنيين (ذرية الإمام الحسن عليه السلام) وزجّ بهم في سجون مظلمة لا يُعرف فيها الليل من النهار. لقد تعمّد إذلالهم وقهرهم فقط لقرابتهم من النبي (ص)، حتى أن المؤرخ المقريزي وصف قسوته البالغة بقوله: “أين تُرى في الدين مثل هذا الظلم والقسوة الشنيعة مع قرابة نبي الرحمة؟! تالله ما هذا من الدين في شيء بل هو مصداق قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ… أولئك الذين لعنهم الله…”.
ومن أشد جرائم الدوانيقي دموية كانت إبادته لثورات العلويين المطالبة بالعدل. فعندما ثار محمد بن عبد الله الحسني المعروف بـ”النفس الزكية” في المدينة عام 762م مطالبًا بالخلافة، واجهه الدوانيقي بكل عنف حتى قتله ومثّل بجثته. ولم تمضِ سوى أشهر حتى ثار أخوه إبراهيم بن عبد الله في البصرة، فانضم إليه كثير من أبناء علي (ع)، بل وحتى بعض فقهاء السنة، كأبي حنيفة .لكن الدوانيقي سحق هذه الثورة أيضًا وقتل إبراهيم عام 145هـ. وتمخّضت سياسته عن مجازر جماعية بحق ذرية علي صلوات الله عليه وأنصارهم؛ فبحسب الروايات التاريخية قتل الدوانيقي نحو ألف رجل من العلويين وشيعتهم، وجمع رؤوسهم في خزائن خاصّة احتفظ بها في قصره كغنائم، وترك إحداها لابنه المهدي ليرى مصير أعداء العباسيين. لقد عمّ الخوف والرعب بين آل البيت في عهده، فإمّا القتل أو المطاردة والتشريد. يُروى أنه لم يترك علويًا حيًا إلا وهو خائف مشرّد، حتى اضطر بعضهم للتخفي سنوات طوال هربًا من بطشه.
أما الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، سادس أئمة الشيعة، فقد ناله النصيب الأوفى من حقد الدوانيقي. كان الإمام الصادق صلوات الله عليه في المدينة يُدرّس وينشر علوم الإسلام، لكنه أيضًا كان يجهر بأحقيّة أهل البيت (ع) في الإمامة ويفنّد شرعية حكم العباسيين. اعتبر الدوانيقي ذلك تهديدًا مباشرًا لسلطانه، وقال قولته الشهيرة بحق الإمام: “إنه شوكة في حلقي… والله لأقتلنّه”. وبالفعل، استدعاه إلى بغداد مرارًا محاولًا التضييق عليه واغتياله سرًا أو جهرًا. وتذكر المصادر أن الدوانيقي دسّ السمّ للإمام الصادق (ع) في المدينة عبر عملائه، فتوفي الإمام شهيدًا عام 765م (148هـ). وبذلك أقدم على أعظم جريمة باستباحة دم سبطٍ من أحفاد النبي (ص) وإمامٍ جليل عند المسلمين. ولم يقف الأمر عند الإمام الصادق (ع)؛ فقد استمر الدوانيقي ومَن تبعه من خلفائه كالمهدي والهادي واللارشيد في مطاردة بقية الأئمة (ع) وشيعتهم، سائرين على نهجه الدموي.
إن هذه الصفحات السوداء من تاريخ الدوانيقي تؤكد أنه كان طاغيةً مستبدًا لا يتورّع عن أي جريمة حفاظًا على ملكه. تصفه بعض المراجع السنية نفسها بأنه “خدّاعٌ سفاكٌ للدماء، غارقٌ في البطش مستهترٌ بالفتك”، مما اضطر حتى مؤرخين معاصرين للإقرار بأن حكمه وإن رسّخ الدولة فقد اقترن بظلم شديد. لذلك تُجمع مصادر المسلمين الشيعية منها بل وحتى المنصفة من غيرها، على أن الدوانيقي مجرمٌ فاسقٌ ارتكب الموبقات والكبائر في سبيل سلطان زائل. فهل يليق بعد هذا السجل الإجرامي أن يُرفع له تمثالٌ مهيب في بلادٍ أغلب أهلها من أحفاد ضحاياه؟
تمثال الدوانيقي في بغداد: رمزٌ للظلم وإهانةٌ للأغلبية
نُصب تمثال الدوانيقي في سبعينيات القرن العشرين (افتُتح عام 1977) في جانب الكرخ من بغداد، تخليدًا له بصفته مؤسس مدينة بغداد الحديثة. صمّم التمثال النحّات العراقي خالد الرحّال على شكل رأس المنصور بعمامة كبيرة تعلو قاعدةً مزخرفة، وظلّ شاخصًا لعقود كنصبٍ تراثي. بيد أن هذا النصب تحوّل بعد 2003 إلى بؤرة توتر طائفي، إذ تنبّهت الأغلبية الشيعية في العراق إلى خطورة رمزيته المسيئة. فوجود تمثال لقاتل الأئمة (ع) وسط بغداد الجوادين (ع)، وعلى مقربة من مرقد الإمامين الكاظمين (ع)، اعتُبر استفزازًا صارخًا لمشاعر الناس. وقد صرّح محللون شيعة علنًا أن رؤية التمثال “تثير حفيظة أكثر من 60% من العراقيين” كونه يمجّد حاكمًا ظالمًا اضطهد أئمة أهل البيت (ع). ووصفه أحد الخطباء بأنه “تشويه بصري لقاتل مجرم” يجب إزالته احترامًا لحرمة النفوس البريئة التي أزهقها.
مع تصاعد المد الشيعي السياسي بعد سقوط النظام السابق، ارتفعت أصوات تطالب رسميًا بإزالة التمثال باعتباره “صنمًا مثيرًا للجدل والفتنة”. ففي عام 2005، وأثناء ذروة العنف الطائفي، قام مجهولون بتفجير التمثال ديناميتيًا، مما أدى إلى تدمير هيكله وسقوطه ولم يبقَ منه سوى الرأس. وربط كثيرون هذا العمل الغاضب بكون المنفّذين ضحايا لسياسات الدوانيقي رمزياً (أي من الشيعة الغاضبين لظلم التاريخ). وعلى الرغم من إدانات الحكومة آنذاك لتخريب الممتلكات العامة، لم يخفِ قطاع واسع من العراقيين ارتياحهم لزوال التمثال في حينه. لكن بعد تحسّن الأمن، أُعيد نصب رأس التمثال عام 2008 فوق القاعدة القديمة في ساحة الدوانيقي ، مما فجّر موجة احتجاجات جديدة. عبّر شيعة العراق عبر وسائل الإعلام والتواصل عن غضبهم، واعتبروا الخطوة استفزازًا غير مقبول. حتى وُصفت حكومة ذلك الوقت بأنها تفتقر للحساسية تجاه أكثرية الشعب. ورفع ناشطون شعارات مثل: “لا تماثيل لقاتلي الأئمة في أرض الأئمة”، في إشارة إلى أن عراق أهل البيت (ع) لا يرحّب بتخليد جلاديهم.
بالمقابل، برزت أصوات معارضة لفكرة إزالة التمثال، خاصة من بعض السنّة أو القوميين، بحجة أن المنصور جزء من التاريخ الوطني! فهناك من شدّد على دوره العمراني في بناء بغداد، معتبرين إزالة تمثاله طمسًا للتاريخ. وقال آخرون إن الانشغال بالرموز الماضية مجرد هروب من مشاكل الحاضر، داعين إلى التركيز على بناء الوطن بدل اجترار الصراعات القديمة. وصرّح مسؤولون بأن التمثال أصبح “معلمًا ثقافيًا” في بغداد لا يجوز المساس به رغم الخلافات! بل انتقد البعض المطالبة بالإزالة واصفًا إيّاها بأنها طرحٌ طائفي يهدّد الوحدة الوطنية!
غير أن هذه الاعتراضات تغفل حقيقة جوهرية: تمثال الدوانيقي ليس مجرد نصب تذكاري محايد، بل هو تكريس لشخصية مثيرة للانقسام العميق في وجدان العراقيين. فإذا كانت الوحدة الوطنية هدفًا، فإن الإبقاء على رمز يُمجّد من سفك دماء فئة كبيرة من أبناء الوطن لن يخدمها، بل يؤجج الأحقاد. لقد دفع العراقيون ثمنًا باهظًا بسبب طغاة الماضي والحاضر، ومن حقهم رفض تخليد ذكراهم في ساحاتهم. ولا يمكن مقارنة تمثال الدوانيقي بتماثيل روّاد العلم أو الأدب التي يجمع عليها العراقيون؛ فهو شخصية خلافية تجسّد الظلم والطغيان لدى شريحة واسعة، تمامًا كما يجسّد صدام حقبة أليمة لا يحتمل العراقيون تمجيدها مرة أخرى.
حجج قانونية وعقلانية لإزالة التمثال
إن المطالبة بإزالة تمثال الدوانيقي ليست ضربًا من التطرف أو التعصب الأعمى، بل تستند إلى منطق قانوني وإنساني سليم. فالمجتمع الدولي اليوم يعترف بحق الشعوب في مراجعة تراثها التاريخي ونقده، بل وإزالة ما يعدّ تمجيدًا للجرائم والانتهاكات. لقد شهد العالم مؤخرًا حملة واسعة لإزالة تماثيل رموز العبودية والعنصرية والاستعمار؛ ففي الولايات المتحدة وأوروبا جرى إسقاط العشرات من التماثيل التي رأى الناس أنها تُمجّد حقب الظلم كالعبودية والاضطهاد العرقي. هذه الحملات قادها نشطاء يؤمنون بأن بقاء تلك التماثيل في الميادين العامة يشرعن الظلم الماضي ويجدد جراح الضحايا. وقد ساندت السلطات المحلية في كثير من الحالات هذا التوجه، فصدرَت قرارات رسمية بإزالة تماثيل قادة الكونفدرالية وتجار الرق وغيرهم، لأنها رموز تقسيم وكراهية لا مكان لها في حاضر يسعى للمساواة. “وقد صرّح حاكم ولاية فرجينيا الأمريكية مثلًا بأن تلك التماثيل أصبحت رمزًا للعنصرية، وعقبة أمام مستقبلٍ متسامح. وإذا كان الماضي يحول بيننا وبين مستقبل واعد، فعلينا اتخاذ موقف حاسم.” وبالمثل أكد مسؤولون آخرون أن تعلم التاريخ لا يعني بالضرورة تمجيد رموزه المظلمة، بل أحيانًا يستلزم إزاحتها عن المنظر العام ووضعها في متاحف إن لزم الأمر.
من المنظور القانوني الدولي، لا يوجد ما يلزم دولة ما بالإبقاء على نصبٍ يجرح كرامة أغلبية شعبها. القوانين الدولية لحقوق الإنسان تشجّع على احترام كرامة المجموعات الدينية والإثنية وعدم إهانتها برموز عامة تمجّد مضطهديها. بل إن بعض فقهاء القانون الدولي يرون أنه يجوز هدم الآثار أو الرموز إذا كان وجودها يخالف القيم الأساسية ويُمجّد انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان. فتمثال أُقيم للاحتفاء بانتهاك حقوق فئة مضطهدة لا يتمتع بحماية أخلاقية خاصة، بل إن إزالته قد تكون واجبًا أخلاقيًا في سياق تصالح المجتمع مع ماضيه. وقد اقترح باحثون قانونيون نظامًا يوازن بين الحفاظ على المعالم، والحاجة إلى إزالة بعضها، بحيث تُسمح إزالة أي نصب تمجيدي أُقيم احتفاءً بجريمة ضد الإنسانية أو انتهاك لحقوق الإنسان. ولا شك أن قتل آل بيت النبي (ص) واضطهاد أتباعهم يُعدّ انتهاكًا جسيمًا لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان بمعايير كل عصر. وبالتالي فإن تمثال الدوانيقي الذي أقيم لتمجيد “مؤسس بغداد” يغفل أنه أيضاً رمز لمضطهد جماعة دينية كبيرة. إن العراق الجديد الذي ينص دستوره على احترام التعددية الدينية والمساواة يجب أن يعيد النظر في تكريم شخصيات تاريخية ارتبطت أسماؤها باضطهاد مكوّن رئيس فيه.
إضافةً إلى ذلك، فإن إزالة التمثال لا تعني محو تاريخ بغداد. فدور الدوانيقي في بناء المدينة موثّق في الكتب ويمكن الإشارة إليه موضوعيًا دون الحاجة لتمثال يمجّده. هناك طرق عديدة لتخليد التأسيس ذاته دون تمجيد الشخص: يمكن إنشاء متحف صغير لتاريخ بغداد يُذكر فيه دور الدوانيقي مع سرد موضوعي لجوانبه السلبية أيضًا. أما التمثال الضخم الحالي، فهو بمثابة منصة دعائية تمنح الشرعية لشخصية جدلية. إن العدالة التاريخية تتطلب رؤية متوازنة: فلا يجوز أن نُبقي على تماثيل الجلادين بينما تغيب رموز الضحايا والشهداء. وإذا كان ولا بد من تخليد عصر الدولة العباسية، فالأجدر إبراز منجزات العلماء والمفكرين الذين ازدهروا في بغداد، بدلًا من نصب تمثال طاغية شق وحدة الأمة بسفكه الدماء.
خطوات عملية لإزالة تمثال الدوانيقي بصورة قانونية
إن إزالة تمثال الدوانيقي ينبغي أن تتم عبر مسار قانوني وحضاري يجسّد احترام الدولة لإرادة شعبها وللقانون في آن واحد. فيما يلي بعض الخطوات العملية المقترحة لتحقيق ذلك:
-
إطلاق حملة شعبية وجماهيرية منظمة: يقوم بها ناشطون ومثقفون ورجال دين شيعة بالتعاون مع بقية المكونات، بهدف جمع التأييد الشعبي لإزالة التمثال. يمكن تنظيم عريضة وطنية تجمع توقيعات الملايين للمطالبة رسميًا برفع التمثال، مع توثيق أسباب ذلك (جرائم الدوانيقي التاريخية وإساءته لرموز دينية) بطريقة موضوعية. كذلك تنظيم تجمعات سلمية وندوات توعوية لشرح القضية للرأي العام وكسب التعاطف الوطني الأوسع، والتأكيد أن الأمر ليس طائفيًا ضد التراث بل تصحيح لوضع خاطئ طال أمده.
-
استصدار قرار رسمي من الجهات المختصة: بعد خلق زخم وضغط شعبي واعي، يُرفع الأمر إلى الجهات الحكومية المعنية. يمكن لأعضاء البرلمان عن بغداد أو عن الكتل الشيعية تقديم مقترح قانوني لإزالة تمثال الدوانيقي أو استبداله، مستندين إلى أن بقاءه يخلّ بالسلم الأهلي ويستفز شريحة كبرى. ومما يعزّز الموقف القانوني، الاستناد إلى سوابق دولية ومحلية؛ فكما أزيلت تماثيل صدّام بقرارات رسمية بعد 2003، يجوز قانونًا إزالة تمثال أي شخصية يثبت أنها كانت رمزًا للإجرام أو الكراهية.
-
التنسيق مع المنظمات الدولية والمجتمع المدني: لضمان تغطية إعلامية إيجابية ودعم خارجي، يمكن مخاطبة منظمات معنيّة بالحقوق الثقافية وحقوق الإنسان. اليونسكو مثلًا معنية بحماية التراث، ولكن يمكن توضيح أن هذا التمثال تحديدًا يمثل إهانة تراثية لفئة كبيرة ولا يندرج ضمن التراث الإنساني الذي يستحق الحماية، بل هو رمز انقسامي. كما يمكن لمنظمات حقوق الإنسان الدولية أن تدعم الخطوة باعتبارها إزالة رمز يمجّد انتهاكات حقوق فئة دينية. إن الحصول على بيانات تأييد من شخصيات أكاديمية عالمية أو ناشطين بارزين سيضع المزيد من الضغط المعنوي لتقبل الحكومة بهذا الإجراء. كذلك ينبغي التعاون مع المراجع لإصدار بيانات شرعية تؤكد أن إزالة التمثال واجب شرعي احترامًا لكرامة أهل البيت (ع) ولمشاعر محبيهم، ما دام تحقق ذلك بالطرق السلمية القانونية.
بتنفيذ هذه الخطوات بتؤدة وحكمة، سيُكتب لهذا الحراك النجاح بدون الدخول في فوضى أو أعمال تخريبية. والهدف ليس الانتقام الأعمى من حجارة وتماثيل، بل تصحيح ذاكرة الأمة ورسم مشهد حضاري في بغداد يخلُص إلى توافق حول ما ومن يستحق التكريم في الفضاء العام. إن رفع تمثال الدوانيقي سيكون رسالة قوية بأن العراق الجديد يكرّم المظلومين لا الظالمين، ويقدّس مبادئ العدل فوق اعتبارات المجاملة التاريخية الفارغة.
خاتمة: نداء الغيرة الإيمانية والكرامة الوطنية
لا شك أن قضية تمثال الدوانيقي تتجاوز في رمزيتها مجرد قطعة برونزية وسط ساحة. إنها اختبار لوعي العراقيين وغيرتهم على تاريخهم ودينهم. لقد طالما تغنّى الشعب العراقي بولائه لآل البيت (ع) واعتبر نفسه امتدادًا لتضحياتهم ونهضتهم، فكيف يرضى أن يطأ بقدميه جراحهم النازفة كل يوم تحت نصب جلادهم؟ إن الغيرة الدينية السليمة تحتم على المؤمنين ألا يقبلوا بتمجيد من آذى أولياء الله وانتهك حرمتهم. وقد ورد في الأثر: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، فكيف بمن لا يهتم بإزالة إهانة لمصاب سبط رسول الله (ص)؟
إننا نتحدث عن بلد يشكّل الشيعة فيه الأغلبية؛ وعليه يفترض أن تكون هوية الدولة ومشهدها العام معبّرَيْن عن احترام معتقدات هذه الأغلبية، دون انتقاص من حقوق الآخرين. إزالة تمثال الدوانيقي ليست ظلمًا لأحد، بل رفع ظلم رمزي تاريخي عن شريحة كبيرة. بل هي خطوة تصالحية مع الماضي: فكما أزالت شعوب الغرب تماثيل تجّار الرق والمستعمرين من ساحاتها تحت ضغط شعبي أخلاقي، أفلا يستحق العراقيون إزالة تمثال طاغية سفّاك أجرم بحق عترة نبيهم (ص) وظلم آباءهم وأجدادهم؟ أَفنكون أقل غيرةً وكرامةً من نشطاء الغرب الذين لم يقبلوا بتمجيد رموز العبودية والاضطهاد في بلدانهم؟ بالطبع لا؛ فالمؤمن أولى بالعدل والكرامة.
إن الله سبحانه وتعالى وعبده المنتظر (عج) لا يرضيان عن أمةٍ تكرّم قاتلي أوليائه. وقد نعى الإمام المهدي (عج) في إحدى زياراته جده الإمام الحسين (ع) قائلاً: “لَئِنْ أَخَّرَتْنِي الدُّهُور… لأَنْدُبَنَّكَ صَباحًا ومَساءً”، تعبيرًا عن الحزن والولاء الدائم. فكيف نجرؤ نحن على تجاهل ندبة الأحزان فنمجّد من آذى أهل البيت (ع)؟ إن كان العراقيون يتطلعون إلى رحمة الله ونصرته، فعليهم أن يبرهنوا على ولائهم الصادق لأوليائه بإزالة هذا الرمز المشين من أرضهم. فكما لا تُبرأ الذمة من الظلم إلا برفعه، لا تبرأ أرض الرافدين من عار تمثال الدوانيقي إلا بإزالته.
في الختام، إن إزالة تمثال الدوانيقي هي موقف حق يجب أن يُتّخذ بشجاعة وحكمة. فهي انتصار للقيم النبيلة على إرث الاستبداد، واستجابة لنداء الجراح التاريخية كي تبرأ. وهي أيضًا رسالة وحدة بأن العراقيين يرفضون تمجيد الظلم أيا كان مصدره. بتحقيق هذا المطلب الشعبي المشروع، ستخطو بغداد خطوة أخرى نحو تطهير ذاكرة الأمة وتصالحها مع ذاتها، وسيُكتب لهذا الجيل أنه لم يكن خانعًا أمام أصنام الظلم بل كسرها بيد القانون والوعي كما كُسرت أصنام الجاهلية الأولى. إنه واجب ديني وأخلاقي ووطني آن أوان الوفاء به بلا تردد؛ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
المراجع
-
السيوطي، جلال الدين. تاريخ الخلفاء.
-
أبو الفرج الأصفهاني. مقاتل الطالبيين.
-
اليعقوبي، أحمد بن إسحاق. تاريخ اليعقوبي.
-
ويكي شيعة. المنصور العباسي. https://ar.wikishia.net/view/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A
-
مؤسسة السبطين. صور من جرائم العباسيين على العلويين. https://www.sibtayn.com/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=44505
-
عبد الحميد، شريف. (2022، 16 يوليو). لماذا يحقد غُلاة الشيعة على أبي جعفر المنصور؟ إيران بوست https://iranpost.co.uk/thread/4642?%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D9%82%D8%AF-%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%AC%D8%B9%D9%81%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1
-
The New Region. Statue of Abbasid Caliph sparks controversy in Iraq https://thenewregion.com/posts/479/statue-of-abbasid-caliph-sparks-controversy-in-iraq
-
مصطفى، حمزة. ‘Al-Mansur’ Bust Divides Iraq. الشرق الأوسط. https://english.aawsat.com/culture/5009926-%E2%80%98al-mansur%E2%80%99-bust-divides-iraq
-
Deliso, M., & Pereira, I. (2020، June 10). Statues of Confederate figures, slave owners come down amid protests. ABC News. https://abcnews.go.com/US/virginia-indiana-joining-taking-confederate-monuments/story?id=71066712
-
Equal Justice Initiative. (2021، July 13). Charlottesville Removes Confederate Statues. https://eji.org/news/charlottesville-removes-confederate-statues/
-
Bissell, E. P. V. (2019). Monuments to the Confederacy and the right to destroy in cultural-property law. The Yale Law Journal, 128(4), 1130–1158. https://www.yalelawjournal.org/note/monuments-to-the-confederacy-and-the-right-to-destroy-in-cultural-property-law